عبد الملك الجويني
229
نهاية المطلب في دراية المذهب
ومذهب مالك ( 1 ) أن سجدات التلاوة إحدى عشرة ، ولم يُثبت في المفصل سجدة ، وهذا قول للشافعي في القديم ، والمعتمد في نُصرته ما روي عن ابن عباس أنه قال : " لم يسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المفصّل بعد ما هاجر " ( 2 ) . واعتمد الشافعي في الجديد ما رواه أبو هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد لما تلا : { إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } ( 3 ) [ الانشقاق : 1 ] وكان إسلام أبي هريرة بعد الهجرة بسنين ( 4 ) ، ورأى ما أثبته أولى من نفي ابن عباس . وفي بعض التصانيف أن ابن سريج أثبت سجدة " ص " ، فصارت السجدات على مخرجه خمسَ عشرةَ سجدة . 958 - ثم إن تلا الرجل آية سجدة ، سجد ، وإن لم يتل بنفسه ، ولكنه كان يستمع إلى قراءة غيره ، فتلا وسجد التالي ، يسجد المستمع ، فالاستماع إذاً يقتضي السجود إذا سجد التالي ، فأما إذا لم يسجد التالي ، فالذي ذهب إليه معظم الأئمة ، أن المستمع لا يسجد ، ويشهد لذلك ما روي : " أن طائفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتدارسون القرآن بين يديه ، فقرأ قارىء آية سجدة وسجد ، فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقرأ آخرُ آيةَ سجدة ، فلم يسجد ، فلم يسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، قرأ فلان فسجدتَ ، وقرأتُ فلم تَسجد ، فقال صلى الله عليه وسلم : كنت إمامنا فلو سجدتَ ، لسجدنا " ( 5 ) .
--> ( 1 ) ر . حاشية العدوي : 1 / 318 ، حاشية الدسوقي : 1 / 307 ، جواهر الإكليل : 1 / 71 . ( 2 ) حديث ابن عباس : رواه أبو داود ، وأبو علي بن السكن في صحيحه ، وفيه راويان مضعفان . ( ر . أبو داود : الصلاة ، باب من لم ير السجود في المفصل ، ح 1403 ، البيهقي : 2 / 312 ، 313 ، تلخيص الحبير : 2 / 8 ح 484 ) . ( 3 ) حديث أبي هريرة : رواه مسلم ، وأصله في البخاري ( ر . اللؤلؤ والمرجان : 1 / 116 ح 341 ، والتلخيص : 2 / 8 ح 485 ) . ( 4 ) ومن يقرؤها بسنتين ، فقد صحف ؛ فإن إسلام أبي هريرة كان عام خيبر باتفاق . ( 5 ) الحديث رواه أبو داود في المراسيل عن زيد بن أسلم ، وكذا رواه الشافعي ، ونظيره عند البخاري معلقاً عن ابن مسعود من قوله . وقد ذكر الحافظ من وصله في تغليق التعليق . ( ر . التلخيص : 2 / 9 ح 490 ) .